الإثنين , 26 سبتمبر 2022
أخبار عاجلة

في خطاب الكراهيّة/ حينما يروّج الإعلام في تونس “للمجتمع الجسدي”

ما فتئت نظريات الاتصال الجماهيري، تكشف لنا فكرة أو مجموعة أفكار على سيكولوجية الجمهور أو الحشود أمام قضايا تهم الشأن العامّ والسلوك العاطفي الذي يطغى على جميع تفاعلاته مع الفضاء العمومي.

وضمن هذا التشكل المجمل، يتنزل موضوع تقريرنا بخصوص “خطاب الكراهية في الإعلام الموجه ضدّ النساء والأقليّات الجندريّة”، و الذي ننجزه في سياق مشروع تطوير إعلامي “عالم كندا: صوت للنساء والفتيات”، الذّي تقوده منظمة صحفيّون من أجل حقوق الإنسان بهدف تعزيز حقوق الإنسان للنساء والفتيات من خلال تطوير وسائل الإعلام.

لا يُمكننا فهم بنية خطاب الكراهية وتماثلاته إلاّ بفهم بنية وسائل الإعلام التي تبثّ هذه الخطابات بما تحمله من عنف رمزيّ، وفي إطار نظريّة دّرس في علم الإعلام والاتّصال تسمّى “نظرية الطلقة السحرية او الحقنة تحت الجلد   وهي من أولى نظريات التأثير الاعلامي تفترض هذه النظرية أن وسائل الاعلام تؤثر بشكل مباشر وسريع في الجمهور وأن استجابة الجمهور للرسائل   تكون فورية”.

والإعلام في تونس ليس ببعيد عن هذا التمشي، فقد تلجأ العديد من المؤسسّات الصحفيّة إلى زرع وبثّ أدبيّات تُلغي الآخر المُختلف وتسير في اتّجاه تيّار مُهيمن يسعى إلى قولبة الأجساد وإعادة تشكيلها بتهديم فكرة كونها أداة للفعل والاحتجاج السياسيّ. لذلك نجد أنّ خطابات الكراهية التي غزت الشاشات وصفحات الجرائد والمواقع الإلكترونيّة تُركّز اهتمامها على النساء والأقليّات الجنسيّة والجندريّة من خلال الوصم والتطبيع مع العنف والتحريض عليه.

ويعرّف مرصد أخلاقيّات المهنة في الصحافة المكتوبة والإلكترونيّة المُحدث داخل النقابة الوطنيّة للصحافيّين التونسيّين، خطاب الكراهية، “كلّ نصّ بغضّ النظر عن حجمه، أو عبر أي وسيلة من وسائل الإبلاغ المباشر أو غير المباشر، يتضمّن إساءة أو إهانة أو اتّهاما بالنقص والدونيّة أو تحقير شخص أو جماعة على أساس العرق أو الدّين أو الانتماء السياسيّ أو الجغرافيّ أو بسبب اللون أو اللغة أو الجنس أو طبيعة المهنة أو المظهر..”.

و لنا أيضا في الفصل  52 من المرسوم عدد 115  مثل، “يعاقب بالسّجن من عام إلى ثلاثة أعوام وبخطيّة من ألف إلى ألفي دينار كلّ من يدعو مباشرة بواسطة وسيلة من الوسائل المبيّنة بالفصل 50  من هذا المرسوم إلى الكراهية بين الأجناس أو الأديان أو السكّان وذلك بالتحريض على التمييز واستعمال الوسائل العدائيّة أو العنف أو نشر أفكار قائمة على التمييز العنصري”.

وتذكر الفقرة  2  من المادة 20  من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ما يلي، “تُحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية وتُشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف”.

ووفقا للاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري فيُعتبر “كل نشر للأفكار القائمة على التفوق العنصري أو الكراهية العنصرية، وكل تحريض على التمييز العنصري وكل عمل من أعمال العنف أو تحريض على هذه الأعمال يُرتكب ضد أي عرق أو أية جماعة من لون أو أصل إثني آخر، وكذلك كل مساعدة للنشاطات العنصرية، بما في ذلك تمويلها، جريمة يعاقب عليها القانون”.

و فيما ندوّنه يوميّا من علات و عثرات في وسائل الميديا، يفتح الحديث عن الجسد فلسفيا كان أو مفهوما، فالجسد في الأنظمة الاجتماعيّة الحديثة هو “المجال الرئيس للنشاط السياسيّ والاجتماعيّ”، وقد راج مُصطلح ‘المجتمع الجسديّ’ الذي استحدثه عالم الاجتماع الإنجليزيّ براين ترنر للتعبير عن تصاعد الاهتمام المكثّف بسؤال الجسد الذي يُعدّ محورا مركزيّا في فهم الهويّة الذاتيّة والبُنى الاجتماعيّة و الأنساق التي نعيش فيها.

وللأسف فقد ساهمت وسائل الميديا في تكريس الصور النمطيّة عن أجساد النساء وأجساد الجندريّات المختلفة التي لا تسير على ‘الصراط المستقيم’ ولا تتماهى ما رسمته العادات والتقاليد البالية والمفضوحة بعفن الذكوريّة و السلطة الابويّة و الدينية.

كما لا يمكن أن يخفى عليكم، ما يصنعه التلفاز من نجوم ‘ مطليّين ببريق مزيّف’، يصبحون بمجرّد الظهور على الشاشات الكبيرة قادة رأي. يُمكن لمُهرّج صغير فارغ ثقافيّا أن يُدلي بدلوه في كلّ شيء وأن يُؤثّر في المتلقّي ويُعيد تشكيل مواقفه أو ترسيخ قناعاته المبنية على أحكام أخلاقويّة.

دائما ما تُصوّر النساء غيورات، ساذجات، ضعيفات، لا يُتقنّ غير “الزخرفة الخاملة لأجسادهنّ”، في حين يُصوّر الرجال أذكياء، وأقوياء وخفيفي الرّوح. أمّا بالنسبة إلى مثليّي الجنس وذوي الميول الجنسيّة المُختلفة فصورتهم واحدة : رجل بلحية وشعر كثيف عند الصدر، يتمايل، يهزّ خصره، رخو، طريّ، يُحرّك رموشه باستمرار، يهز حاجبيه، يُحرّك يديه وكأنه يرقص، ويتكلّم بصوت بلاستيكيّ.

ويرى علم الاجتماع في هذا التمثل، على لسان السوسيولوجي كريس شلانج، أنّ من يحمل وصمة عار “يواجه مشاكل في التفاعل الاجتماعيّ مع “العاديين” ” قد تترتّب عليها نتائج مُدمّرة للهويّة الذاتيّة.

فإذا حاول الموصوم بالعار أن يُصبح ‘عاديّا’ فإنّه يُخاطر باكتشاف تعارض بين الهويّة الاجتماعيّة الافتراضيّة والهوية الاجتماعيّة الواقعيّة، قد تؤدّي إلى إفساد هويّته الاجتماعيّة وعزله عن المجتمع وعن نفسه بحيث يُصبح وحيدا بوصفه شخصا مُدانا يواجه عالما يرغب عنه

بعد ما تفعله وسائل الميديا الحديثة منها والتقليديّة، كيف يمكن للنساء والأقليّات الجنسيّة والجندريّة أن تستعيد أجسادها، المُحمّلة بأعباء وأثقال لا تُطاق، في ظل تأثير كبير ومعمّق على هذه الأجساد بالترويج لخطابات الكراهيّة.

و  يتعارض ما نشاهده يوميّا تقريبا،  مع مقتضيات الفصل 11 فقرة  2  من القانون الأساسيّ عدد 58  لسنة 2017   المتعلّق بالقضاء على العنف ضدّ المرأة ” تتولّى وسائل الإعلام العموميّة والخاصّة التوعية بمخاطر العنف ضدّ المرأة وأساليب مناهضته والوقاية منه.وتحرص على تكوين العاملين في المجال الإعلاميّ على التعاطي مع العنف المسلّط على النساء في ظلّ احترام أخلاقيّات المهنة وحقوق الإنسان والمساواة ويُمنع الإشهار وبثّ المواد الإعلاميّة التي تحتوي على صور نمطيّة أو مشاهد أو أقوال أو أفعال مسيئة لصورة المرأة أو المُكرّسة للعنف المسلّط عليها أو المُقلّلة من خطورته وذلك بكلّ الوسائل والوسائط الإعلاميّة. وعلى هيئة الاتّصال السمعي والبصريّ اتّخاذ التدابير والعقوبات المستوجبة حسب القانون للتصدّي للتجاوزات المنصوص عليها بالفقرة السابقة من هذا الفصل”.

و في خضم هذا السياق، أدلت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري، بدلوها، حيث أصدرت في شهر مارس المنقضي، دليلاً للصحافيين التونسيين حول الممارسات الفضلى المتعلقة بالمعالجة الصحافية لخطابات الكراهية في وسائل الإعلام السمعية البصرية، بالشراكة مع منظمة “المادة 19” – مكتب تونس.

الدليل احتوى على ثلاثة عناصر أساسية، من أهمها التمييز بين خطابات الكراهية والخطابات التي تتضمن تحريضاً على العنف في البرامج التلفزيونية والإذاعية، وبين الخطابات التي تندرج في إطار حرية التعبير.

رغم قتامة الصورة لدى ميديا بلادنا إلا أنّ مثل تلك المحاولات والمبادرات وجب التنصيص عليها والحديث فيها وعنها لإعطاء كل ذي حقّ حقّه.

وبعد ما أتينا عليه بالتحليل يمكن أن نخلص إلى أنّه لا يوجد تعريف موحّد وثابت لخطاب الكراهية الذي يظلّ إشكاليّا بالنسبة للبعض خاصّة وأنّ هذه التعريفات لم تُشر إلى الحدود الفاصلة بين حريّة التعبير وخطاب الكراهية الذي يُمكن أن يُوظّف كغطاء للقمع والتضييق. وعليه فإنّ هذا التقرير حاول تفكيك خطابات الكراهية في الإعلام التونسي من خلال فهم ميكانيزماتها والتركيز على فهم وتحليل تلك الموجّهة خاصّة ضدّ النساء والأقليّات الجنسيّة والجندريّة في تونس.

 

إسكندر صكّوحي

Please follow and like us:
Pin Share

شاهد أيضاً

جلسة عمل بين هيئة الإنتخابات ووزارة الشؤون الإجتماعية حول الترتيبات الخاصة بذوي الإحتياجات الخاصة في الإنتخابات التشريعية

في إطار الاستعدادات الخاصة بالانتخابات التشريعية ليوم 17 ديسمبر 2022، أشرف رئيس الهيئة العليا المستقلة …

جبهة الخلاص: “حل الأزمة يتوقف على وفاق تونسي تونسي بإشراف حكومة إنقاذ تصدر عن حوار وطني جامع وعاجل”

أصدرت جبهة الخلاص الوطني اليوم الاثنين 26 سبتمبر 2022، بيانا دعت فيه ” كافة القوى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

RSS
Follow by Email