الإثنين , 26 سبتمبر 2022
أخبار عاجلة

عابرون/ت جندريّا: غرباء في وطننا.. فلا الدولة تحمينا ولا المجتمع يقبلنا كما نحن

تعاني الأقليات الجنسيّة في تونس من الحيف الاجتماعي والتسلّط القانوني والنكران السياسي نتيجة موروث ثقافي وتاريخي متعدّد الروافد.

فلا يخفي الاعتراف بوجود المثليين والمثليات ومزدوجو الميل الجنسي، والعابرون/ت جنسيا في مختلف أنحاء العالم، وفي كل المناطق والبلدان، وفي كل العصور الثقافية، جذور العنف والتمييز على هذا الأساس وكثيرا ما تصبح هذه المحددات غير مرئية وبالتالي غائبة عن السياسات العامة للدولة. ويبدو أن هذه هي الحال أيضاً في تونس.

“جودة” عابرة جندريّا، عانت ولا تزال، الأمرّين في حياتها، التي لم تتجاوز سنوات ربيعها الثاني، تصارع وتقاتل من أجل حياة أرحب ويقبل فيها الاختلاف، قتامة المشهد تزيد حدّتها كلما تحدّت محدّثتنا سياط التنمر والكراهيّة داخل المجتمع ونكرت لتقاليده وأعرافه البالية والناكرة لقبول الآخر دون شروط وحدود أخلاقويّة ذكوريّة دينيّة تضرب عرض الحائط أسط حقّ من حقوق الإنسان وهو حقّ العيش في أمان وسلام دون تهديد للسلامة الجسديّة.

قبل الغوص أكثر مع قصتّها، دعنا نذكّركم بأنّ هذا العمل هو ثمرة من ثمرات مشروع تطوير إعلامي “عالم كندا: صوت للنساء والفتيات” الذّي تقوده منظمة صحفيّون من أجل حقوق الإنسان بهدف تعزيز حقوق الإنسان للنساء والفتيات من خلال تطوير وسائل الإعلام.

رغبت جودة، أن تكون مقابلتنا، في مكان وسط العاصمة، يكون في مأمن من أي مكروه أو تهديد لسلامتها الجسديّة، فكان لها ذلك.

تختلف التسميات وتتعدّد بين عابري/ مُتغيِّري/ مُتحوّلي الجنس ومصحِّحي الهويّة الجنسيّة وغيرها، وتشير أغلبها إلى استعمالات عديدة غير محدّدة لتُفضي إلى تأويلات واسعة ومتباعدة تعيد فرز الأقليّات الجنسيّة على سلّم التعريفات، وتُثير خلطاً لدى الباحثين في المسألة.

وربّما  ينبع هذا الخلط المفاهيميّ العميق من صلب مجتمع الميم الذي تنضوي تحته كل ألوان الطيف الجندريّ. إذ يُعرّف كل فرد نفسه كيفما يشاء ويُجنّد اللغة لصالحه حتّى يتمكّن من تقديم هويّته الجندريّة بوضوح وارتياح ويتخلّص من ثقل ثنائيّة الجندر التقليديّة.

في هذا السياق، تمّ في ديسمبر 2016 بعث منصّة تشاركيّة تبحث في قضايا الجندر والنساء باللغة العربيّة وهي “ويكي الجندر” في محاولة لتحديد المفاهيم وتوحيدها.

حسب ما ورد فيها، فإنّ منتدى الجنسانيّة واللجنة الاقتصاديّة والاجتماعيّة لغربي آسيا (الإسكوا) قام بتعريب مصطلح Transsexuality إلى “تغييرٍ جنسيّ”. وعرّبته منظمة “أورام ORAM” إلى “تصحيح الهويّة الجنسيّة”. من جهةٍ أُخرى، ترجمتهُ “مدوّنة ترانسات” إلى “عُبورٍ جنسيٍّ”. في حين ارتأت “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” أن تستخدم مصطلحي “مُتغيّري/ متحوّلي الجنس” و”الترانس”.

تحدّثنا كثيرا عن الشأن العامّ في البلاد، وبعض الشيء عن صداقتنا الافتراضيّة منذ سنوات، ف “جودة” لم تردّد في إجراء المقابلة ليس فقط بحكم صداقتنا، بل أيضا لإيمانها بما تروم إليه من تحقيق العدالة وتفعيل الحق في الاختلاف داخل الوطن الواحد الذي يقبل كل الأطياف والألوان.

 وخلال زيارته إلى تونس، في شهر جوان 2021، لاحظ الخبير المستقل في الحماية من العنف والتمييز القائمين على التوجه الجنسي والهوية الجندرية، أنّ المثليات والمثليون ومزدوجو التوجه الجنسي ومغايرو الهوية الجندرية في تونس يواجهون عنفاً واسع النطاق، بما في ذلك التهديد بالقتل والاغتصاب. وقد تحدثت مع أشخاص أبلغوا عن تعرضهم للضرب والتهديد في مراكز الشرطة، والتخويف في الشارع، والمضايقة في المدرسة، والتمييز ضدهم في المقابلات الشخصية مع الموظفين، والمضايقة في المراكز الصحية. وأفاد معظم الأشخاص الذين أجريت معهم المقابلات بأنهم تعرضوا لإساءات بدنية ونفسية من جانب أفراد أسرهم.

كما تابع الخبير المستقل، في تقريره حول الزيارة، “النساء المثليات ومزدوجو التوجه الجنسي ومغايرو الهوية الجندرية لا يعترف لهن صراحة في صياغة السياسات العامة. بيد أنني ألاحظ أن وزيرة المرأة والأسرة وكبار السنّ، أكدت لي أن صياغة السياسات التي تنتهجها الوزارة في التعامل مع العمل الاجتماعي والحماية الاجتماعية تمتد إلى “كل النساء”. ولكن في الممارسة العملية، وجدت أن مثل هذه السياسات الشاملة لا تمتد بالضرورة إلى الاختلاف الجنسي والجندري. وفي بعض الحالات، تكون العقبة قانونية (القانون 58 يحد من الحماية ضد العنف ضد المرأة حيث يكون مرتكب الجريمة ذكرا، وتعرف المادة الثالثة المرأة بأنها أنثى)، وفي بعض الحالات تكون العقبة سياسية، حيث أن عدم الاعتراف في الممارسة العملية بالهوية الاجتماعية للنساء المتحولات جنسيا وعدم تمتعهن بالحماية من قِبَل المراكز الإقليمية التابعة للوزارة”.

ما سرده الخبير المستقل في الحماية من العنف والتمييز القائمين على التوجه الجنسي والهوية الجندرية، هو غيض من فيض بما يحدث لأفراد مجتمع الميم ع++، فكونك عضواً به في تونس، وكونك مرئياً وتعيش في الفضاء العام، فقد ينظر إليك من طرف العديد من الناس أنك تتجاوز النظام الاجتماعي، وخاصة الأدوار الاجتماعية المنسوبة إلى النساء والرجال والتي تعكس فكرة تفوق الذكور، والنظام الأبوي، والحياة الجنسية الانجابية في سياق الزواج. وعلى هذا فإن المجتمع لا يفرض عقوبات على السلوك المثلي وفقاً للمادة 230 من المجلة الجزائيّة فحسب، بل إنه يفرض أيضاً عقوبات على كل الهويات والتعبيرات التي يعتبرها البعض انتهاكاً “للعهد الاجتماعي” وإهانة للعادات والتقاليد. فالرجال والنساء العابرة بشكل خاص، معرضون لخطر العنف الشديد بسبب ملابسهم ومظهرهم وانتماءاتهم، وهم يخضعون لمراقبة متزايدة بسبب تقاطع هوياتهم. ولقد أشار العديد من هؤلاء الذين أجريت معهم مقابلات إلى الكم من الانتهاكات باعتبار أن حياتهم “غير طبيعية”، وغير “اجتماعية” و”غير اخلاقية”.

تتحدى جودة كل التابوهات والتشكلات الاجتماعية البالية، بلحيّة ‘ذكوريّة’ مخففّة تكسوها لمسة ‘أنثويّة’ من مساحيق التجميل، بيد أنّ جمال روحها ونقاء فكرها يطغى أحيانا على جمالها.

وضع الانتهاكات المتصاعدة الذي توثقه الجمعيات و الحركات المدافعة عن التوجهات الجنسية و التعبيرات الجندرية و الخصائص الجنسانية المتنوعة و اللامعيارية خلال الفترة الماضية و الهجمات المنظمة ضد مجتمع الميم-عين + في الفضاءات العامة و خاصة منهن.م العابرات و العابرين جندريا و كذلك الايقافات العشوائية و الاحتجاز اللاقانوني و تلفيق التهم ضد عاملي و عاملات الجنس منهن.م، لا ينتهي في تونس، و كانت آخرها، في شهر أكتوبر المنقضي، سلسلة الانتهاكات ضدّ عابرتان وقع احتجازهما في مركز الأمن باب بحر و حرمانهما من حق الدفاع و المحامي.ة و التنكيل بهما مما دفع احداهما لمحاولة الانتحار عبر رمي نفسها من الطابق الأول لشباك رئيس المركز الذي توجه لها متنمرا بأن حياتها و موتها لا يشكلان فارقا بالنسبة إليه و للدولة التي يمثلها.

و تواصل التنكيل في مستشفى شارل نيكول خلال عرضهن على الفحص الطبي بعد نقلها في سيارة الإسعاف، مرورا بمركز الاحتفاظ بوشوشة حيث تعرضت الناجيتان إلى شتى أنواع الإهانة و الوصم و التشهير ما جعلهن عرضة للعنف و التحرش الجنسي من قبل الموقوفين و الأعوان على حد السواء وصولا إلى الجريمة الانتقامية التي تعيدنا إلى مربع جرائم التعذيب بالمؤسسة السجنية ضد العابرات، فقد عمد أعوان السجن المدني بالمرناقية إلى تعرية الناجيتان و الاعتداء عليهن و الحلق القسري لشعرهما بالرغم من توصيات رئيسة وفد الزيارة من الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب التي أجرت معهما مقابلة لتوثيق الانتهاك و أكدت لمدير السجن أنهما نساء عابرات و أن شعرهما هو جزء من هويتهن الجندرية، كما تم عزلهما مباشرة في غرف انفرادية معدة لمعاقبة مقترفي الجرائم السجنية لا تتوفر فيها أدنى ظروف العيش التي تضمن كرامة الانسان بالرغم من حلتهن الصحية و حاجتهن الملحة للحصول على التدخل طبي و الدواء.

ما تمّ سرده، مع بشاعته و قرفه و انحطاطه و..، لم يفاجأ محدّثتنا حيث أنّها أطرقت متنهدّة بالقول “إنّها تونس”..، و تسألت هل مصيرنا نحن العابرون و العابرات و كل منتمي لمجتمع الميم عين +، أن نقضي أعمارنا في التنكيل و التنمر و نوقف حياتنا بالموت الجسدي أو الانتحار اروحي؟؟ أهكذا تريدنا حكومتنا ورئيسنا وأمننا و …، أهكذا تحلّ كل مشاكل ومصاعب هذا الوطن المقبور..”.

إلى جانب مختلف أشكال العنف، يوجد العديد من الممارسات الأخرى الموجهة ضدّ الأشخاص الترانس على غرار الازدراء، التقليل من الشأن والاستغلال على أنواعه.

جودة لم تسلم من ذا ولا ذاك لكنّها تقاوم وتصرّ على إثبات أنّها موجودة رغم أنف الكثرين، اهتمامها بعالم الموضة والتكوين فيه لم يعارض غوصها وانخراطها في بحر القانون والحقوق، هي ناشطة كويرية، تحثّ الخطوات على إيصال رسائل إيجابيّة للأجيال الصاعدة واللائي يحملن ويواصلن حمل ذات الطموح والحلم.

أجرت كل من جمعية “دمج للعدالة والمساواة” والمنظمّة النسوية “شوف” ومبادرة “موجودين للمساواة حول العنف ضدَّ الأشخاص LGBT” بحثا استقصائيّا، كانت حصيلته أرقامٌ مفزعةٌ سلّطت الضوء على الحرب اليوميّة التي تخوضها الأقليّات الجنسيّة في تونس، والعابرون جنسياً على وجه الخصوص، من خلال تعرّضهم إلى أشكال متباينة من العنف الماديّ والمعنويّ على تنوّع خلفيّاتهم الاجتماعيّة ومحيطهم العائليّ ومقرّ سكناهم.

بيّن البحث أنّ 51.8 في المئة من المُستجوَبين يتلّقون يومياً وابلاً من الشتائم وكماً هائلاً من الأسئلة الشخصيّة والمحرجة عبر مواقع التواصل الاجتماعيّ بدرجةٍ أولى، بالإضافة إلى رسائل تهديد وشتم تمسّ من كرامتِهم الإنسانيّةِ ومن شخصِهم.

ولا يقتصر التحرّش اللفظيّ على الأماكن العامة فقط بل يتجاوزها إلى الفضاءات المدرسيّة – سواء من قبل التلاميذ أو الأساتذة أو حتى الإداريّين- ويمتدّ إلى مقرّات العمل.

في حين أن التحرّش الجسديّ يتم التعرّف عليه إما عبر ملاحقة الشّخص وتتبّعه بإلحاح ودون رضاه لا لسبب عدا كونه يمثّل أقليّة مختلفة يُستسهل استغلالها جنسياً أو الاعتداء عليها، أو عبر ممارسة أيِّ شكلٍ من أشكال العنف الماديّ.

كما أشار إلى أن 31.2 في المئة من المُستجوَبين قد تعرّضوا إلى التحرّش الجسديّ، وتمّ صفعهم أو ضربهم على الأقلّ مرّة واحدة طيلة حياتهم. وتعرّض رُبعهم إلى هجوم مرّة على الأقلّ، باستعمال أسلحة مختلفة (سكين/ عصا/ قوارير مهشّمة…) أو إلى محاولات اغتصاب أو قتل على مرأى ومسمع من الجميعِ.

و في تتمة تقريره، كتب الخبير المستقل في الحماية من العنف والتمييز القائمين على التوجه الجنسي والهوية الجندرية، أن وسائل الإعلام التونسية كثيراً ما تظهر خطاب الكراهية ضد المثليين جنسياً والتحريض على العنف ضدهم. بعد تلقي عدة شكاوى، أصدرت الهيئة التونسية العليا للاتصالات السمعية البصرية (HAICA) – فيما يمكن اعتباره أول رد رسمي من قبل مؤسسة عامة على العنف ضد مجتمع المثليين – تحذيرًا ضد قناة تلفزيونية لتصريحات معادية للمثليين في أكتوبر 2015. ومنذ ذلك الحين، تدخلت السلطة العليا نحو 10 مرات للشكاوى من التمييز القائم على التوجه الجنسي والهوية الجندرية في القطاع السمعي البصري. ولكن هذا الرقم يبدو ضئيلاً مقارنة بما وصفته منظمات المجتمع المدني بفيض من الكراهية، والذي يجد أرضاً خصبة بشكل خاص على وسائل الإعلام الاجتماعية التي لا تخضع لأي تنظيمات.

وتابع بالقول، ” كما ساهم المؤثرون (influencers) في “مطاردة” المثليين الجنسيين على وسائل الإعلام الاجتماعية. وقد قام ثلاثة منهم، على وجه الخصوص، بمضايقة وكشف الميول الجنسية أو الهوية الجنسية للمثليين، وطلبوا من أتباعهم اتخاذ إجراءات لوقف أنشطتهم على الشبكات الاجتماعية. ونتيجة لهذه الدعوة تعرض الأشخاص من المثليين والمثليات وذوي التوجه الجنسي المزدوج لمضايقات من قِبَل الآلاف من الأشخاص على مواقع التواصل الاجتماعي، وشاهدوا حساباته تتعرض للاختراق، كما تم تبادل صورهم وبياناتهم الشخصية في مجموعات، بل وتعرض بعضهم للاعتداء الجسدي.

وأدى الافتقار إلى العقوبات القانونية، إلى جانب حقيقة مفادها أن العديد من الزعماء والساسة، بما في ذلك أعضاء البرلمان التونسي، يساهمون في اللغة الخطابية العدائية ضد مجتمع المثليين، إلى التطبيع الواسع النطاق لخطاب الكراهية المناهض للمثليين الجنسية في مختلف أنحاء البلاد. يترك القانون التونسي خيارات محدودة لضحايا جرائم الكراهية، بما في ذلك الجرائم ضد مجتمع م ع-. وفي حين يمكن معاقبة الهجمات في ظل “الاعتداء” أو “القتل”، فإن قانون العقوبات التونسي لا يتضمن أحكاماً تحدد أو تجرم جرائم الكراهية ضد المثليين جنسياً. العقبات التي تعترض عمل المدافعين عن حقوق الإنسان”.

مرّت ساعات الحديث، مع جودة في المقهى، سريعا، أثرنا فيها معها جانبا تصرّ على ألا تخفيه لكنّ ببعض التحفظات، التّي تبدو احيانا محقّة فيها إذا ما ارتبط الأم بسلامتها الجسديّة في مجتمع يراها وصمة عار و ترى هي ذاتها أيقونة.

Please follow and like us:
Pin Share

شاهد أيضاً

متابعة/ غلق مقر نقابة قوات الأمن الداخلي: وزارة الداخلية توضّح

نفى رئيس مكتب الاعلام والاتصال بوزارة الداخلية فاكر بوزغاية، أن يكون وزير الداخلية توفيق شرف …

بدء فعاليات منتدى النقابات القاري حول منطقة التجارة الحرة الإفريقية

انطلقت اليوم الاثنين، فعاليات المنتدى النقابي القاري لمنطقة التجارة الحرة لافريقيا، بمشاركة 100 نقابي افريقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

RSS
Follow by Email