الأحد , 3 يوليو 2022

 من وحي أيّام “العزارة”: حتّى لا تنسيك رتابة إيقاعه، تسرّعه وشتات أهدافه

كان أسلافنا وأجدادنا يستقبلون في مثل هذا التاريخ، تقويما فلاحيّا جديدا، هي أيّام “العزارة”، بعد مضي “الليالي السود” وقبلها “الليالي البيض”.

وتعرف هذه الفترة تقلّبا في الطقس والأحوال الجويّة، فمرّة تصحو السماء وتنقشع السحب وتظهر الشمس لفترات طويلة في اليوم، وتارة أخرى، تسوّد السماء بالغيوم وتنزل الشتاء مدرارا وتسيل الأودية والأنهار.

وأمّا “العزارة” في مفهومها الشعبي، فهي كلمة أمازيغية، وتعني “العزري” باللهجة التونسيّة أيّ الشّاب الأعزب، والمتسّم بتقلب مزاجه واختلاف أحواله.

وكان الفلاحون يستبشرون بتلك الأيام والليالي، ويتحلقون في دوائر يتدفؤون بنيران الحطب والفحم على “الكانون” في جلسات سمر يلفها الدفء العائلي والأنس، وسط تبادل الأحاديث أو الانصات إلى حكايات الجدة، وهي تهمس بخرافات الغول والجازية الهلالية وغيرها من القصص التي تشد مسامع الكبار قبل الصغار، مستبشرين بقدوم فصل الربيع بأجوائه الدافئة.
وتم ابتكار التقويم الفلاحي، من أجل تنظيم الأعمال الزراعية الموسمية بدلاً من التقويم الهجري الذي يعتمد على القمر، وفق أوقات محددة صاروا يضبطون عليها مواعيد حراثة الأرض وزرع البذور في التربة، وحصاد المنتوج في نهاية المطاف.

ومن هنا، كان بالإمكان أن نتبيّن ‘الشيفرة الأنثروبولوجية’ للرئيس قيس سعيّد، شيفرة تبدو غامضة ومتلبدة في فكّها، وهو ما يعكس شخصه من الأكيد، لكنّ ما نعرفه أنّ الرئيس متزوج ولا دخل له بما تفسّره “العزارة”، إلاّ أنّ الباحث الجيّد لن يستطيع مرور الكرام عما يبديه الرئيس في كلّ ‘طلعاته’ وأقواله وانفعالاته.

بدا سعيّد مخالفا للمثل الروسي القائل “إذا أردت أن تصل إلى هدفك بسرعة فامش ببطء”، ذلك أن الرجل ذا الإيقاع الرتيب الذي يظهره حرصه على احترام قواعد اللغة العربية في خطاباته، قد تسرّع في إجراءاته وقراراته إلى درجة أنه حاد عن أهدافه وبدا مشتتا في نظر منتقديه.

صحيح أنّ السرعة مطلوبة، يا صاحب قرطاج، إلاّ أنّها قد تكون “قاتلة” خاصّة إذا كانت سُبلك غير معبّدة ومتزيّنة بالحفر والمطبّات، ومثلما تعيده على مسامعنا هيئات ومؤسسات السياقة والمرور فالسرعة في تلك لظروف بالإضافة لانعدام الخبرة والمعرفة بالقيادة، قد يكون مآلها غير محمود.

من يصفونك، حضرة القائد الهمام، بالتسرع يستندون إلى وقائع، يقول منتقدوها إنها اتسمت بالارتباك والعشوائية مما زاد المشهد ضبابية، فكل يوم يصحو وينام التونسي على قرار ارتجالي زاد من التشويش عما تريد قوله، حتى أن الصحافة الساخرة قد وصفت مسانديك والمدافعين عن إجراءاتك بـ “هيئة مفسري خطابات قيس سعيد”، وذلك لكثرة الغموض الذي يغلف كلامك.

ربما لجهل منهم أو هي مؤامرة أجنبية أكيد، تريد النيل من بلادنا ومن قيادتها الحكيمة المتزنة والرشيدة في قراراتها وأهدافها، لا عليك يا صاحب القصر، إنّهم لا يعقلون و لا يفقهون فنّ القيادة و كنه السياسة، مثلك طبعا.

و قد أورد بعض المراقبين “حكاية” مفادها أنّ سيادتك-أدام الله فهمك و علمك- قد تمثل جملة من التناقضات يصعب فهمها في توجهاتك وتحالفاتك السياسية، مما أوقع المحيطين بك في صراعات وتجاذبات أدت إلى استقالة العديد منهم، وكان أبرزهم نادية عكاشة المكلفة بمهام مديرة ديوانك الرئاسي، بعد أن كانت لمدة سنتين من أهم الشخصيات الفاعلة في دائرة صنع “قرارك”.

كل هذا من شأنه طبعا أن يهدد شعبيتك- طبعا هم واهمون أكيد- لكن ما هو جوهر هذه الشعبية، وما هي خلفياتها الاجتماعية والسياسية والثقافية في بلد متقلب المزاج السياسي-مثل حضرتك أكيد-  ولا يعتبر إلا بالنتائج المعيشية والأمنية بدرجة أولى؟..

هم ونحن وأنت واحد سيدي الرئيس، يحملنا هذا الوطن ويقبل اختلافنا، تاريخنا واحد، فيكفيك من الاقصاء.

أما كان من الأجدر بك، أن تستهلك شيئا من رصيدك الشعبي في إقناع شعبك بضرورة الإصلاحات الاقتصادية كالخصخصة وغيرها بدل ما صنف في خانة الشعبويات، كمنصة الاستشارات الشعبية، التي أطلقها وانتقدتها هيئة الانتخابات التي تقول بأنها هي المخولة بتحديد تاريخ الانتخابات وفق الدستور، بعد الاتفاق مع الأحزاب أو مع السلطة التنفيذية.

أما كان من الأجدر بك، أن تشرح لشعبك معضلة تضخم كتلة الأجور مثلا، وشروط القوى المانحة وإملاءات صندوق النقد الدولي مع قلة الموارد الطبيعية التي تعيشها البلاد؟ أضف إلى ذلك شبح كورونا والوضع الاقتصادي العالمي، بالإضافة إلى القوى المعطلة محليا وخارجيا في الاقتصاد الموازي واللوبيات المتحكمة.

كيف لك أن تحافظ على شعبيتك وأنت واقعي العمل والتحليل، أمر يصعب تنفيذه في بلد مثل تونس وقد ذاقت طعم الحريات وودّعت عصر الاستبداد بالرأي وقمع المعارضة وإسكاتها.

 

إسكندر صكّوحي

شاهد أيضاً

عبد اللطيف المكي: إيقاف رئيس الحكومة الأسبق حمادي الجبالي

ذكر وزير الصحة الأسبق عبد اللطيف المكي، في تدوينة له على حسابه بفايسبوك، مساء الخميس …

الداودي يقترح على سعيّد إجراء انتخابات رئاسية مبكرة في تاريخ 20 مارس القادم

اقترح الأكاديمي وعضو الهيئة الوطنية الاستشاريّة من أجل جمهوريّة جديدة، صلاح الداودي، على رئيس الجمهورية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.