الإثنين , 26 سبتمبر 2022
أخبار عاجلة

قصة ‘خلود’…قصة حياة: عنف، تسلّط و ابتزاز ..من أجل الزواج.. و لكن.. !

بثقة عميقة في ذاتها و روح بسيطة تلفها ابتسامة بل ابتسامات، أجلستنا خلود ذات 28 ربيعا، في غرفة صغيرة، لا ترى فيها سوى أشكال و محتويات مزوقة و غريبة بعض الشيء،  لتبوح بحكاياتها و أحداث مريرة مرّت بها، عمقت جرحا لم تشفى منه بالشكل الجيّد، فبحديثها و محاولاتها تتماثل خلود شيئا فشيئا، من ألم الضرب و الابتزاز و التسلّط من قبل العائلة و خاصّة من ‘أبيها’ دون سبب يذكر سوى أنّها فتاة يجب أن تستر نفسها و تصون عرضها و أن تتزوج و تظّل في البيت.

حكاية ‘خلود’ هي من حكايات نساء و فتيات مجتمع ذكوري أبوي سحيق، لا يرى في الأنثى سوى عارا و عورة لكلّ نزواته و لوثة لأدرانه الاجتماعيّة و الأخلاقيّة.

و نشير هنا، قبل الغوص أكثر في القصّة، إلى أنّ هذا العمل هو ثمرة من ثمرات مشروع تطوير إعلامي  “عالم كندا : صوت للنساء و الفتيات” الذّي تقوده منظمة صحفيّون من أجل حقوق الإنسان بهدف تعزيز حقوق الإنسان للنساء و الفتيات من خلال تطوي وسائل الإعلام.

رغم بشاعة و ألم ما سترويه لنا ‘خلود’ في مسقط رأسها بجزيرة الأحلام، إلاّ أنّ تلك البسمات البريئة لم تغادر محياها على طول الحديث، انطلقت محدّثتنا من واقعة سببت لها صدمة نفسيّة جعلتها تكره و تخاف الرجال، في سنّ الثالثة من عمرها مزّق لها أبيها ثوبها الذي ترتديه بتعلّة  أنّها جميلة جدّا و هذا اللباس ليس لمن في سنّها.

و تواصل العنف الممارس عليها نفسيا و ماديّا، حتّى أنّه أجبرها بارتداء الحجاب و هي في سنّ 10  و فرض على الأمّ أن تخيط لها لباسا فضفاضا و طويلا، رغم محاولات الأم بالتهدئة و بتشجيعها على النجاح في الدراسة، فهو الحافز الوحيد للنجاة مما كانت تعانيه.

و يشكّل العنف الأسري إحدى النقاط السوداء داخل مجتمع ذكوري أبوي، يشرّع للعنف و الحطّ من كرامة النساء و الفتيات تحت مسميّات بالية و ممحوقة ضاربة على عرض الحائط  حقوقهنّ الإنسانيّة.

و هذه الظاهرة ليست حكرا على جهة محدّدة داخل البلاد أو عائلات معيّنة محافظة أو غيرها، بل هي شاملة رغم ترسانة القوانين و الحملات التحسيسية التي تقوم بها السلط و خاصّة مجهودات المجتمع المدني.

فلقد تلقى مركز الإصغاء الخاص بـ”الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات”، في السداسيّة الأولى من العام الحالي، عددا كبيرا من الشهادات لنساء و فتيات تعرّضن للعنف الأسري يفوق بكثير تلك المسجلة في الفترة عينها من العام الفائت.

وللتكفل بالنساء و الفتيات الباحثات عن حماية الشرطة، أنشأت وزارة الداخلية، 130 فرقة متخصصة في هذا المجال منذ العام 2018.

وكُلّف المئات من عناصر الشرطة المدرّبين خصيصا لهذه المهمات، من بينهم نساء، التحقيق في حالات العنف الأسري وتنفيذ الأوامر القضائية لإبعاد الخطر عن الضحايا.

يعرّف القانون العنف ضد المرأة بأنه “كل اعتداء مادي أو معنوي أو جنسي أو اقتصادي ضد المرأة أساسه التمييز بسبب الجنس والذي يتسبب بإيذاء أو ألم جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي للمرأة ويشمل أيضا التهديد بهذا الاعتداء أو الضغط أو الحرمان من الحقوق والحريات، سواء في الحياة العامة أو الخاصة”. يشمل ذلك العناصر الرئيسية لتعريف العنف المنزلي الموصى به في ” دليل التشريعات المتعلّقة بالعنف ضدّ المرأة” الصادر عن الأمم المتّحدة.

ما فتئت ‘خلود’ تنطلق في حياة المراهقة، حتى تطور مستوى قهرها و قمعها من طرف أب متغطرس يخبئ ذكوريّته الحيوانيّة تحت مسميّات الدين و الأخلاق، أب منعها من كلّ شيء، منعها من أبسط حقوقها، أن تكون مثلها مثل قريناتها، فكان دخولها و خروجها من المنزل للدراسة طبعا، مضبوط بوقت لا يجب أن تتعدّاه، لا تتكلّم مع أي كان، لا تذهب حتى لبيت جدّتها أو أعمامها، حياة مريرة و سنوات جمر قضتها فتاة حالمة بمستقبل أفضل بعيدا عن هذه السيطرة الغطرسة المقيتة.

كشفت  مديرة مكتب هيومن رايتس ووتش في تونس، آمنة القلالي، في تصريح لنا،” أنّ القانون التونسي الجديد( قانون 58) يزود النساء بالتدابير اللازمة لحصولهن على الحماية من أعمال العنف التي يرتكبها أزواجهن وأقاربهن أو غيرهم.  وعلى الحكومة الآن تمويل ودعم المؤسسات لترجمة هذا القانون إلى حماية حقيقية”.

و أقرّ البرلمان عام 2017 قانونا طموحا لمكافحة العنف ضد المرأة، ودعمه سياسيون ومنظمات من المجتمع المدني تعمل على أن تكون “المرأة التونسية” تقدمية ومتحرّرة من كل القيود الاجتماعية.

يوسع هذا النص القانوني، الذي لقي إشادات كثيرة، نطاق التجاوزات التي تعرّض مرتكبيها للعقاب على صعيد العنف ضد النساء، ويؤكد جليّاً ريادة تونس في المنطقة في مجال حقوق المرأة ويكفل حماية قانونية ومادية لضحايا العنف.

لكن في المقابل، يبقى إحقاق الحق للضحايا مساراً صعباً في ظل غياب الإرادة السياسية ونقص الموارد.

كما أفادت الرئيسة السابقة للجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، يسرى فراوس، أنّ “هناك تبايناً كبيراً بين قانون 2017 والممارسات المؤسساتية والاجتماعية والتي لا تواكب هذا المنحى التحرّري”.

وفي تقدير فراوس، “يجب أن نخوض معركتين بشكل متواز تشملان القوانين والعقليات” من خلال تدريب قضاة ومحامين والشرطة والأطباء “ليتولوا المساواة”.

معركة ‘خلود’، أيضا، مستمرّة، فلقد اختارت سبيل النجاح و التفوّق في دراستها حتّى تخرج من “جحيم أبيها”، فكانت من المتفوّقات في مناظرة الباكالوريا علوم تجريبيّة، و من هنا بدأت معركة أخرى، فالأب يريدها أن تتوقف عن الدراسة و تتزوج من شخص اختاره هو و يحمل نفس سلوكه تجاه النساء، بدأت تصارع وحدها و ارتضت بشكل مؤقت أن ترتبط بهذا الشخص حتّى حين.

صيف 2011 كانت لحظة فارقة في حياة الفتاة، أمضت أشهره مختبئة في بيت جدّتها، إلى حين استكمال إجراءات التوجيه الجامعي، حيث اختارت التخصصّ في الطب، لتتخّرج خلود، الفتاة الحالمة، مساعدة جرّاح.

في 2014 رفعت تونس كل التحفظات الخاصة باتفاقية “سيداوالتي صادقت عليها عام 1985، لكنها أبقت على الإعلان العام المتصل بالاتفاقية الذي أكد أن تونس لن تتخذ أي قرار تنظيمي أو تشريعي من شأنه أن يخالف الفصل الأول من الدستور التونسي الذي ينص على أن دين الدولة التونسية هو الإسلام.

واتفاقية سيداو هي معاهدة دولية اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1979، تهدف للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

قبل الانتهاء، أصرّت أن تحدّثنا عن غطرسة رجل آخر، الذي سرعان ما تخلّصت منه، بحكم مرارة سنوات التجربة، هو الخطيب الثاني، فرنسي من أصول عربيّة، يدرس هنا في تونس، تعرّف عليها في مقهى، و سرعان ما تطوّرت العلاقة و قرّر خطبتها، فتعرّف على الأب، الذي كان منقطع عنها و لا يعلم عن حالها شيئا، و لكنّ الخطيب كان يحمل صفات الذكورية الزائدة و كان مشروع غطرسة و تسلّط و تحكّم، فتخلّصت منه رغم تعرّضها للعنف المادّي و المعنوي من طرفه.

قانون العنف ضد المرأة في تونس، يرتكز بالأساس على “إنشاء المرصد الوطني للعنف ضد المرأة والتنسيق الجهوي مع الجمعيات المحلية والمجتمع المدني ووزارة المرأة، ووضع السياسات والبرامج الكفيلة بمكافحة هذا النوع من العنف”.

لكن “ميدانيا وعلى سبيل المثال، مراكز الحماية غير موجودة في أغلب ولايات الجمهورية، غير موجودة في صفاقس ولا في ولايات الجنوب الأخرى، وفي تونس العاصمة لا توجد سوى جمعية بيتي التي تقوم بهذه المهمة.”

و الهوّة بين النظري في القوانين و بين التطبيقي على أرض الواقع، جليّة و واضحة خاصّة مع وجود عقليات مجتمعيّة متحجرة وجب العمل على تغييرها بتكاتف كلّ الجهود.

خلود، الفتاة الحالمة و التي لم تزل تحلم بغد مشرق، هي اليوم مقيمة في العاصمة، اشتغلت في عدّة ميادين و اليوم تباشر عملها بإحدى مصّحات العاصمة، تقول خلود بنفس تلك البسمات: حتّى و إن كان الجرح عميقا سيشفى يوما ما..”.

 

إسكندر صكّوحي

Please follow and like us:
Pin Share

شاهد أيضاً

الجزائر :تعليم الإنجليزية ينهي العصر الذهبي للفرنسية

تتجه الجزائر، نحو تدريس اللغة الإنجليزية في المرحلة الابتدائية، بقرار صادر عن الرئيس عبد المجيد …

روسيا وإسرائيل على شفا قطيعة

كتب غيفورغ ميرزايان، في “فزغلياد”، حول وصول العلاقات بين إسرائيل وروسيا إلى عتبة حرجة. وجاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

RSS
Follow by Email